ترى نور طه، الباحثة في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، أن الحرب في المنطقة كشفت هشاشة منظومة الطاقة المصرية، بعدما اضطرت القاهرة، خلال أسابيع من الربيع، إلى خفض إنارة الشوارع وإلزام المحال والمطاعم والمقاهي بالإغلاق في التاسعة مساءً، مع ارتفاع تكاليف الوقود واضطراب إمدادات الطاقة المصرية نتيجة الحرب على إيران. ورغم أن هذه الإجراءات جاءت مؤقتة، فإنها كشفت عن أزمة هيكلية أعمق تتعلق بأمن الطاقة وقدرة مصر على حماية اقتصادها من الصدمات الإقليمية.
وبحسب أتلانتيك كآونسل، فإن حرب إيران كشفت اعتماد مصر الكبير على إمدادات الطاقة القادمة من دول مجاورة معرضة للصراعات الإقليمية، ما أدى إلى انقطاعات متكررة للكهرباء وارتفاع الأسعار، وهو ما زاد الضغوط على الأسر المصرية وأضعف قدرة الحكومة على دفع النمو الاقتصادي.
وترى طه أن تكرار انقطاعات الكهرباء وإجراءات ترشيد الاستهلاك الطارئة قد يزيد صعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية طويلة الأجل، في ظل تردد المستثمرين بالفعل تجاه السوق المصرية.
وترى الكاتبة أن تجاوز هذه الهشاشة يتطلب وضع أمن الطاقة في مصر على رأس الأولويات السياسية والاقتصادية، من خلال استراتيجية مزدوجة تسرّع التوسع في الطاقة المتجددة، بالتوازي مع إدارة احتياطيات الغاز الطبيعي بما يضمن استدامة الإنتاج، بدلًا من التركيز على تحقيق مكاسب قصيرة الأجل.
الحرب على إيران تكشف قيود السياسة المصرية في مجال الطاقة
كشفت الحرب على إيران تكلفة اعتماد مصر على إمدادات الطاقة القادمة من دول الجوار المعرضة للصراعات. وتربط طه هذه المشكلة برؤية الاقتصادي والمفكر المصري الراحل جلال أمين، الذي أشار قبل عقدين إلى ضعف هيكلي في الاقتصاد المصري، يعتمد فيه جزء من الإيرادات على تدفقات خارجية شديدة التأثر بالتقلبات السياسية، مثل عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين بالخارج والسياحة.
وتقول الكاتبة إن المنطق الهيكلي ذاته بات ينطبق اليوم على قطاع الطاقة المصري. إذ يعتمد القطاع الصناعي المصري بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي الإسرائيلي، الذي يمثل نحو 15 إلى 20 بالمئة من إجمالي استهلاك مصر من الغاز، ما جعل القاهرة تدفع كلفة باهظة للصراعات الإقليمية التي سعت مرارًا إلى احتوائها دبلوماسيًا، من لبنان إلى إيران وغزة.
وعقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران في فبراير الماضي، اضطرت إسرائيل إلى وقف تشغيل حقل ليفياثان للغاز مؤقتًا، تحسبًا لرد إيراني محتمل. وبعد ذلك بفترة قصيرة، أوقفت إسرائيل إمدادات الغاز الطبيعي إلى مصر، فانخفضت التدفقات إلى نحو 50 مليون قدم مكعبة يوميًا، مقارنة بمتوسط بلغ قرابة مليار قدم مكعبة يوميًا.
وسرعان ما امتدت تداعيات النقص الحاد في الغاز إلى مختلف قطاعات الاقتصاد، إذ دفعت أزمة الإمدادات الحكومة إلى فرض إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، كما أدت إلى توقف الإنتاج في قطاعات صناعية رئيسية لعدة أشهر. ومع كل جولة جديدة من الهجمات التي تشارك فيها إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، تتعرض مصر لسلسلة من التداعيات الاقتصادية تشمل اضطراب الإنتاج وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وزيادة الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل هشاشة واضحة.
مصر مطالبة بزيادة إنتاجها المحلي وتسريع التحول إلى الطاقة المتجددة
ترى طه أن الاستراتيجية الحالية للطاقة في مصر كانت منطقية في ظل سعي الحكومة إلى تسوية مستحقات شركات الطاقة الأجنبية وأزمة نقص العملة الأجنبية، لكن المعادلة تغيرت الآن. فقد ارتفعت فاتورة واردات الغاز المصرية بنسبة 26 بالمئة إلى 10.7 مليار دولار خلال السنة المالية 2026-2027، مدفوعة جزئيًا بالارتفاعات الطارئة في أسعار الغاز الطبيعي المسال عقب انهيار تدفقات الغاز عبر خطوط الأنابيب.
وتخلص الكاتبة إلى أن الدرس الأساسي أمام صناع القرار المصريين واضح، رغم صعوبة تطبيقه، وهو أن إعادة هيكلة قطاع الطاقة بصورة شاملة وطويلة الأجل أقل تكلفة من استمرار الاعتماد المفرط على واردات الطاقة.
ومع سداد مستحقات شركات الطاقة الأجنبية بالكامل وتحسن قدرتها على استئناف أعمال التنقيب البحرية المحلية، فإن زيادة إنتاج مصر من الغاز ستسهم في تقليل تعرضها لتقلبات الأسواق العالمية.
وترى طه أن الخروج من هذه المعضلة يتطلب تحقيق هدفين متوازيين: تحويل مصر إلى قوة إقليمية في مجال الطاقة المتجددة، وتجنب الأخطاء السابقة في إدارة حقول الغاز المحلية. ومن شأن الجمع بين المسارين تعزيز أمن الطاقة ودعم طموح القاهرة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة.
وأقرت الحكومة المصرية علنًا بأهمية تطوير البنية التحتية للطاقة المتجددة، وحددت هدفًا طموحًا لإنتاج 42 بالمئة من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030. لكن الطاقة المتجددة لا تمثل حاليًا سوى 12 بالمئة من إنتاج الكهرباء. وترى الكاتبة أن الفارق الكبير بين النسبة الحالية والمستهدف، رغم وفرة أشعة الشمس وإمكانات مصر الكبيرة في مجال الطاقة المتجددة، يعكس عدم حصول التحول إلى الطاقة النظيفة على الأولوية التي يستحقها.
وتشير طه إلى أن إزالة العقبات البيروقراطية أمام شركات الطاقة المحلية، إلى جانب توفير مزيج استراتيجي من التمويل الخاص والعام لمشروعات مثل مجمع دندرة للطاقة الشمسية ومحطة أوبليس للطاقة الشمسية، يمكن أن يسرّع عملية التحول إلى الطاقة المتجددة، لا سيما أن المشروعين لا يزالان في مراحلهما الأولى.
لكن زيادة الطاقة المتجددة لا تمثل سوى نصف المعادلة، بحسب الكاتبة، إذ يتعين على مصر أيضًا تجنب الأخطاء السياسية والتشغيلية التي أدت إلى تقليص العمر الإنتاجي لبعض حقول الغاز الحالية.
ويقدم حقل ظهر نموذجًا تحذيريًا في هذا السياق. فقد وصل إنتاج الحقل البحري الذي طُوّر بوتيرة متسارعة إلى 2.7 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول أغسطس 2019، ما عزز استقلال مصر في مجال الطاقة وساعدها على التحول إلى دولة مصدرة للغاز إلى دول الجوار لعدة سنوات.
لكن الإنتاج تراجع بحلول عام 2021 إلى أقل من ملياري قدم مكعبة يوميًا. وترى طه أن تسريع الإنتاج في المراحل الأولى والاعتماد المفرط على حقل ظهر أسهما في تسارع التراجع مقارنة بالتوقعات الأصلية لشركة إيني المشرفة على الحقل.
إدارة حقول الغاز لضمان أمن الطاقة المصري على المدى الطويل
تقترح الكاتبة إعادة النظر في شروط إدارة الحقول بالتعاون مع الشركات الخاصة لحماية عمر الخزانات، والاستعانة بمؤسسات رقابية مستقلة لتحسين عمليات القياس والإشراف، بما يساعد على تفادي تكرار سيناريو حقل ظهر.
كما ترى أن تحسين إدارة الاكتشافات المستقبلية، ومن بينها اكتشاف شركة عجيبة للبترول، الذي يُعد أكبر اكتشاف هيدروكربوني في الصحراء الغربية خلال 15 عامًا، يمثل خطوة أساسية تتيح لمصر مواصلة تنمية إنتاجها المحلي من الهيدروكربونات بالتزامن مع توسيع قطاع الطاقة المتجددة.
وبعد عقدين من تشخيص جلال أمين اعتماد الاقتصاد المصري على مصادر إيرادات خارجية شديدة التأثر بالتقلبات السياسية، ترى طه أن هشاشة هيكلية مماثلة ظهرت في قطاع الطاقة.
ولإنهاء دائرة الاعتماد المفرط على الواردات وضعف أمن الطاقة، تحتاج القاهرة إلى جعل المرونة المحلية في قطاع الطاقة أولوية سياسية، بما يدفع البنية التحتية الخضراء إلى تجاوز حصتها الحالية البالغة 12 بالمئة والاقتراب من هدف 42 بالمئة، مع إدارة اكتشافات الغاز الجديدة بما يحافظ على إنتاجها لأطول فترة ممكنة بدلًا من تعظيم الإنتاج في الأجل القصير.
وتخلص طه إلى أن القاهرة تواجه خيارًا واضحًا: إما الاستمرار في التعامل مع صدمة طاقة تلو الأخرى، أو بناء القدرات الإنتاجية اللازمة للخروج نهائيًا من دائرة الاعتماد على مصادر محدودة وغير مستقرة للطاقة.
https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/with-war-in-the-region-egypt-must-recalibrate-its-energy-policy/

